فخر الدين الرازي

19

تفسير الرازي

جزاء واحداً بغير تفاوت ولا يجمعهم في موطن واحد وقيل يفصل بينهم يقضي بينهم . أما قوله تعالى : * ( إن الله على كل شيء شهيد ) * فالمراد أنه يفصل بينهم وهو عالم بما يستحقه كل منهم فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف . أما قوله سبحانه وتعالى : * ( ألم تر أن الله يسجد له ) * ففيه أسئلة : السؤال الأول : ما الرؤية ههنا الجواب : أنها العلم أي ألم تعلم أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض وإنما عرف ذلك بخبر الله لا أنه رآه . السؤال الثاني : ما السجود ههنا قلنا فيه وجوه : أحدها : قال الزجاج أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله : * ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ) * ( فصلت : 11 ) ، * ( أن نقول له كن فيكون ) * ( النحل : 40 ) ، * ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) * ( البقرة : 74 ) ، * ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) * ( الإسراء : 44 ) ، * ( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ) * والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع البتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود فإن قيل هذا التأويل يبطله قوله : * ( وكثير من الناس ) * فإن السجود بالمعنى الذي ذكرته عام في كل الناس فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصاً من غير فائدة والجواب من وجوه : أحدها : أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان عاماً في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر ، فهذا الشخص وإن كان ساجداً بذاته لكنه متمرد بظاهره ، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر . وثانيها : أن نقطع قوله : * ( وكثير من الناس ) * عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن نقول تقدير الآية : ولله يسجد من في السماوات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة ، وإنما فعلنا ذلك لأنه قامت الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه جميعاً . الثاني : أن يكون قوله : * ( وكثير من الناس ) * مبتدأ وخبره محذوف وهو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله : * ( حق عليه العذاب ) * ، والثالث : أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب كأنه قيل وكثير من الناس وكثير حق عليهم العذاب وثالثها : أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعاً يقول : المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة وفي حق الجمادات الانقياد ، ومن ينكر ذلك يقول إن الله تعالى تكلم بهذه اللفظة مرتين ، فعنى بها في حق العقلاء ، الطاعة وفي حق الجمادات الانقياد . السؤال الثالث : قوله : * ( ولله يسجد من في السماوات الأرض ) * ( الرعد : 15 ) لفظه لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى * ( وكثير من الناس ) * الجواب : لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل الملائكة يسجدون فبين أن كثيراً منهم يسجدون طوعاً